الشنقيطي
162
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [ آل عمران : 38 ] الآية ، وأشار إلى أنه الولد أيضا بقوله وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) [ الأنبياء : 89 ] فقوله لا تَذَرْنِي فَرْداً أي واحدا بلا ولد . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ، عن زكريا : وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي أي من بعدي إذا مت أن يغيروا في الدين . وقد قدمنا أن الموالي الأقارب والعصبات ، ومن ذلك قوله تعالى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ [ النساء : 33 ] الآية . والمولى في لغة العرب : يطلق على كل من انعقد بينك وبينه سبب بواليك وتواليه به . وكثيرا ما يطلق في اللغة على ابن العم ؛ لأن ابن العم يوالي ابن عمه بالقرابة العصبية . ومنه قول طرفة بن العبد : واعلم علما ليس بالظن أنه * إذا ذل مولى المرء فهو ذليل يعني إذا ذلت بنو عمه فهو ذليل . وقول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب : مهلا ابن عمنا مهلا موالينا * لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً ظاهر في أنها كانت عاقرا في زمن شبابها . والعاقر : هي العقيم التي لا تلد وهو يطلق على الذكر والأنثى ؛ فمن إطلاقه على الأنثى هذه الآية ، وقوله تعالى عن زكريا أيضا وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ [ آل عمران : 40 ] . ومن إطلاقه على الذكر أول عامر بن الطفيل : لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا * جبانا فما عذري لدى كل محضر وقد أشار تعالى إلى أنه أزال عنها العقم . وأصلحها . فجعلها ولودا بعد أن كانت عاقرا في قوله عز وجل : فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ [ الأنبياء : 90 ] فهذا الإصلاح هو كونها صارت تلد بعد أن كانت عقيما . وقول من قال : إن إصلاحها المذكور هو جعلها حسنة الخلق بعد أن كانت سيئة الخلق لا ينافي ما ذكر لجواز أن يجمع له بين الأمرين فيها ، مع أن كون الإصلاح هو جعلها ولودا بعد العقم هو ظاهر السياق ، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير ، ومجاهد وغيرهم . والقول الثاني يروى عن عطاء . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن زكريا وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) أي مرضيا عندك وعند خلقك في أخلاقه وأقواله وأفعاله ودينه ، وهو فعيل بمعنى مفعول . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أي من عندك . وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ قرأه أبو عمرو والكسائي بإسكان الثاء المثلثة من الفعلين ، أعني يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وهما على هذه القراءة مجزومان لأجل جواب الطلب الذي هو « هب لي » والمقرر عند علماء العربية . أن المضارع المجزوم